ابن الأثير

325

الكامل في التاريخ

وكان من جملة الأمراء بمصر أمير يقال له عماد الدين أحمد بن عليّ ، ويعرف بابن المشطوب ، وهو من الأكراد الهكّاريّة ، وهو أكبر أمير بمصر ، وله لفيف كثير ، وجميع الأمراء ينقادون إليه ويطيعونه لا سيّما الأكراد ، فاتّفق هذا الأمير مع غيره من الأمراء ، وأرادوا أن يخلعوا الملك الكامل من الملك ويملّكوا أخاه الملك الفائز بن العادل ليصير الحكم إليهم عليه وعلى البلاد ، فبلغ الخبر إلى الكامل ، ففارق المنزلة ليلا جريدة ، وسار إلى قرية يقال لها أشموم طنّاح ، فنزل عندها ، وأصبح العسكر وقد فقدوا سلطانهم ، فركب كلّ إنسان منهم هواه ، ولم يقف الأخ على أخيه ، ولم يقدروا على أخذ شيء من خيامهم وذخائرهم وأموالهم وأسلحتهم إلّا اليسير الّذي يخفّ حمله ، وتركوا الباقي بحاله من ميرة ، وسلاح ، ودوابّ ، وخيام وغير ذلك ، ولحقوا بالكامل . وأمّا الفرنج فإنّهم أصبحوا من الغد ، فلم يروا من المسلمين أحدا على شاطئ النيل كجاري عادتهم ، فبقوا لا يدرون ما الخبر ، وإذ قد أتاهم من أخبرهم الخبر على حقيقته ، فعبروا حينئذ النيل إلى برّ دمياط آمنين بغير منازع ولا ممانع ، وكان عبورهم في العشرين من ذي القعدة سنة خمس عشرة وستّمائة ، فغنموا ما في معسكر المسلمين ، فكان عظيما يعجز العادّين . وكان الملك الكامل يفارق الديار المصريّة لأنّه لم يثق بأحد من عسكره ، وكان [ 1 ] الفرنج ملكوا الجميع بغير تعب ولا مشقّة ، فاتّفق من لطف اللَّه تعالى بالمسلمين أنّ الملك المعظّم عيسى بن الملك العادل وصل إلى أخيه الكامل بعد هذه الحركة بيومين ، والناس في أمر مريج ، فقوي به قلبه ، واشتدّ ظهره ، وثبت جنانه ، وأقام بمنزلته ، وأخرجوا ابن المشطوب إلى الشام ، فاتّصل بالملك الأشرف وصار من جنده .

--> [ 1 ] وكانوا .